القتل الأشد فتكًا بالشعب الفلسطيني في غزة لم يكن فقط من صواريخ ومدافع الاحتلال، بل من هوى الصمت والخذلان العربي والإسلامي، حكامًا وشعوبًا.

الكل شركاء في سفك هذه الدماء، ولا أحد بريء منها.
حين نقرأ في التاريخ عن مجازر التتار وهولاكو والنازيين، لم تكن عقولنا تستوعب أن كل ذلك القدر من الوحشية يمكن أن يكمن في إنسان، أيًّا كان لونه أو دينه أو جنسيته.
لكننا اليوم نشاهد تلك البشاعات تُبث على الهواء مباشرة، أمام أنظار العالم كله، شعوبًا وحكامًا.
هذه الدماء أصبحت محلّ انتهازية لحكام منزوعي الإنسانية.
باسم "وقف سفك الدماء"، يريد بعضهم القضاء على جماعة الإخوان كثمن لتدخلهم، وآخرون يرتدون ثوب "المقاومة" وهم في أعلى مراتب الانتهازية، ليس فقط في دماء الفلسطينيين، بل ودماء شعوبهم أيضًا.
نحن نعيش في واقع كلّه جنون... غزة اليوم تحولت إلى جحيم أحمر، تُقتل فيه إنسانية وقيم وعقيدة العالم العربي والإسلامي. وفي غزة تُدفن إنسانية العالم الكاذب.
هذه الحرب تدشّن نظامًا عالميًّا جديدًا، قاعدته حروب التطهير العرقي والديني والطائفي، وحتى التمييز على لون البشرة.
في هذا العالم، شعوب تُباد بالصواريخ والطائرات، وأخرى تُقتل بحصار الفقر والجوع.
كانت البداية في العراق، بقتل وتهجير نصف شعبه، والعالم يتفرّج.
في خارطة العراق، كان يُقتل في اليوم الواحد الآلاف لتحقيق هدف تلك الحرب التي شُنّت على البلاد.
قال بريمر: "حكم السنّة العراق أكثر من 1400 عام، ونعمل اليوم على تمكين الشيعة من الحكم".
نعيش اليوم في أبشع صور التناقضات، وفي تحالفات محرّمة.
إيران وأمريكا وإسرائيل تحالفت على احتلال العراق، وكانوا شركاء في قتل وتهجير نصف شعبه، وفي تغيير طوبوغرافي لبنية المجتمع العراقي.
العالم شرعن تلك الجرائم، وجيران العراق طبلوا لها، رغم بشاعتها.
تسابق الاحتلال الأمريكي والإيراني في ملء السجون.
من سجن "أبو غريب" الأمريكي، إلى سجون إيران التي فاقت في وحشيتها.
وامتدت حرب الإبادة على خارطة الوطن العربي لتسحق الشعب السوري واليمني، تحت مظلة "المجتمع الدولي"، الذي منح روسيا الضوء الأخضر للشراكة في احتلال سوريا وقتل وتشريد شعبها.
واليمن لم تكن بعيدة. فواقعها يتحدث عن نصف مليون قتيل، وملايين المشردين، وحصار اقتصادي محكم، لتوسيع رقعة الفقر والموت جوعًا.
المتحالفون على قتلنا بالأمس، يتحاربون اليوم فيما بينهم فوق دمائنا.
إيران، المخلب الذي طعن الشعوب العربية، تخوض الآن حربًا ضد حلفائها السابقين في اليمن وسوريا ولبنان والعراق.
وهي التي تزعم قيادة "محور المقاومة"، فما الذي يمنعها من مواجهة إسرائيل وأمريكا مباشرة؟
لن تفعل، بل تسعى لعقد تسويات تحفظ مصالحها على حساب أوطاننا وشعوبنا.
ومع كل ذلك، نظل نحن – الشعوب والحكام في العالمين العربي والإسلامي – من يتحمّل المسؤولية.
وخصوصًا عن حرب الإبادة الدائرة اليوم في غزة.
ذلك الجحيم لن يحرق أهله فقط، بل سيحرقنا جميعًا، ولن ينجو منه أحد.
إن ما يجري في غزة ليس مجرد حرب، بل هو اختبار حقيقي لإنسانية هذا العالم إن تبقى فيه انسانية واختبار لإيمان الشعوب الاسلامية وعقيدتها بقضاياها ومبادئها.
كل صاروخ يسقط، وكل طفل يُنتزع من حضن أمه، هو صفعة في وجه كل من تواطأ أو صمت أو غلّف الجريمة برداء السياسة والمصالح.
وإن لم ننهض اليوم، فسنُدفن غدًا تحت ركام غزة، لا بأجسادنا، بل بعار الصمت والخذلان والذل الذي سيكون عنوان مستقبل شعوب المنطقة
لكن السؤال الذي يقهرنا جميعًا:
أين صوت الشعوب؟
أين صوت الملياري مسلم؟