يتكرر الحديث في بعض الأوساط الإعلامية والسياسية عن استعداد إيران للتخلي عن ميليشياتها الحوثية في اليمن، وكأن ذلك بحد ذاته يُعد "إنجازًا" يُبشّر بنهاية الاحتلال الايراني. لكن الحقيقة التي لا يجب أن تخفى على أحد، هي أن التخلي الإيراني عن الحوثي ليس سوى كذبة إعلامية سخيفة، يتم تسويقها في إطار محاولات مكشوفة لصناعة صيغة جديدة تعيد انتاج الميليشيا وتهيئتها لدور سياسي جديد قادم.
فالمشكلة لم تكن يومًا في إعلان "التخلي"، بل في ما زرعته إيران فعليًا في اليمن من أدوات دمار وخراب. المطلوب من طهران ليس مجرد انسحاب شكلي من المشهد، بل إخراج منظومات السلاح، وشبكات التهريب، وخلايا التفخيخ، والصواريخ والطائرات المسيّرة التي حولت اليمن إلى حقل ألغام مفتوح، لا يموت فيه إلا اليمنيون، ولا يدفع الثمن فيه إلا الشعب.
وأقولها بثقة: إيران لن تتخلى عن الحوثيين، لا الآن ولا لاحقًا، لأنهم يمثلون ذراعها العقائدية والعسكرية في خاصرة الجزيرة العربية. وما يُطرح اليوم من إشارات "تهدئة" ليس سوى جزء من حملة تضليل تستهدف تحسين صورة إيران، وتقديم الحوثيين كجزء من المشهد السياسي اليمني لا كجماعة انقلابية إرهابية لاحتلال أجنبي (إيران).
لكن الأخطر من هذه الأكذوبة هو ما يُطبخ على الضفة الأخرى. إننا أمام فخ أكثر خطورة يُدار من الرياض، تحت عنوان "الاحتواء السياسي" للحوثيين، عبر خارطة طريق تسعى إلى فرضهم كأمر واقع وشريك شرعي في إدارة الدولة، بما يعني ضمنيًا مكافأة الميليشيا على انقلابها، وإضفاء الشرعية على سلاحها، وتمكينها من مؤسسات الدولة التي دمرتها، وذلك ما ترجوه إيران ان يتم وقادة الجماعة الإرهابية
تسويق هذه الخارطة للمجتمع الدولي، رغم كل التغيرات والمعطيات على الأرض، يمثّل انقلابًا سياسيًا ناعمًا على القضية اليمنية، وعلى حق الشعب اليمني في التحرر من احتلال إيران لوطنه وتصفية ممنهجة لمعركة استعادة الدولة، وتحويلها إلى تسوية إقليمية تُدار من خارج إرادة الشعب اليمني، وتُفرض على حساب دماء الشهداء وتضحيات الملايين.
إن هذه السياسات، سواء كانت من طهران أو الرياض، تصب في اتجاه واحد: تثبيت الحوثي، وإنهاء الجمهورية اليمنية كدولة حرة ذات سيادة.

ومن هذا المنطلق، ندعو المجتمع الدولي وكل القوى الوطنية الصادقة إلى الوقوف بحزم ضد هذا المسار الكارثي، ورفض أي مشاريع تسوية تقوم على شرعنة جماعة انقلابية مسلحة. إن خارطة الطريق المطروحة اليوم ليست حلاً، بل وصفة لإعادة إنتاج الخراب والارتهان والدمار تحت لافتة السلام.
كما ندعو القوى الوطنية كافة إلى تجاوز خلافاتها، ورص الصفوف، والتمسك بخيار استعادة الدولة، ورفض أي شرعنة للميليشيا تحت أي مسمى.
لا سلام مع سلاح خارج الدولة.
ولا دولة مع ميليشيا تتلقى أوامرها من طهران.
ولا مستقبل لليمن إلا بتحريره من كل وصاية ومشروع دخيل.