في خضم الظروف الصعبة، وسط ضراوة الحرب، وجور الحصار المفروض عليك من أولئك الذين كنت تعتقدهم شركاء نضال، تتجلى واحدة من أهم الحقائق المريرة: سقوط الأقنعة عن الوجوه من حولك.

أما أولئك الذين كنت لهم سندًا، والذين كنت عونًا لهم في أشد ظروفهم، فإياك أن تطلب منهم الدعم يومًا، لأنهم لو كانوا من أهل الوفاء، لما انتظروا حتى تطلب.
المواقف السياسية والوطنية ليست مجرد شعارات، بل لها ثمنها وتبعاتها.
رسمنا لأنفسنا طريقًا واضحًا لم ولن نحيد عنه، مهما كانت الظروف ومهما بلغت الضغوط.
الإنسان زائل، ولا يبقى منه إلا تاريخه ومواقفه. أما المال، ذلك الذي يبيع البعض أنفسهم من أجله، فقد باعوا به قبل أنفسهم أوطانهم وقضاياهم العادلة.
كان يمكننا أن نكون مثلهم، أن نبيع مبادئنا لنحصل على مؤسسة إعلامية تمتلك قناة فضائية وما بعدها، لكن ما جدوى ذلك إن كانت فاقدة للهدف والرسالة؟
وحين رفضنا هذا المسار، وأصررنا على النضال الوطني الصادق، كان الثمن غاليًا:
تم حرق مطابعنا ونهب ممتلكاتنا في عدن، وكان ذلك موثقًا بالصوت والصورة.
تم تهجيرنا بقوة السلاح من العاصمة عدن، فخسرنا أكثر من مليون ونصف المليون دولار، إضافة إلى خسارتنا سوق الصحافة المقروءة في عدن وتعز والمحافظات المحيطة.
ورغم ذلك، لم نستسلم. حين انتقلنا إلى مأرب، كنا نؤمن بأنها مجرد محطة عبور نحو صنعاء بعد تحريرها.
وفي 2018، قررنا أن نكون جزءًا من معركة تحرير صنعاء بطريقتنا، فقمنا بطباعة صحيفة (أخبار اليوم) في مأرب، ووزعناها مجانًا على وحدات الجيش والمجتمع، لتكون صوتًا داعمًا للمقاومة الوطنية.
كنا نرى الجنود يقدمون أرواحهم، فشعرنا أن تضحياتنا المادية لا تساوي شيئًا أمام تضحياتهم.
استمرينا لأكثر من عامين، حتى استنفدنا كل ما لدينا من إمكانيات، دون أن نطلب مساعدة من أحد.
انتقلنا بعدها إلى الصحافة الإلكترونية، وما زلنا نقاتل بما هو متاح، وإن ضاقت بنا السبل، سنترك الأقلام لنحمل البنادق، ونكون في صفوف المرابطين في الجبهات.
البعض ممن اعتقدنا خطأً أنهم رفاق درب وشركاء نضال، صُدمنا بهم حين وجدناهم في صفوف المبتزين، ممن يحاولون تجريدك من قيمك ومبادئك، ليحولوك إلى مطبلٍ لواقعٍ مشوهٍ، مليء بطعنات الخيانة لهذا الوطن ولتضحيات الشهداء والجرحى والجيش الوطني والمقاومة.
وهذا ما لن نقبله، ولن نناقشه حتى، فالنقاش فيه كفرٌ بقيم التضحية والفداء التي غرستها فينا عقيدتنا الإسلامية.
من اختار طريق النضال الصادق لله والوطن والجمهورية، سيرى نفسه غريبًا وسط هذا المشهد المشوه.
لكن العيش في هذه الغربة، أشرف وأعظم وأجمل، من العيش في وهم المال المدنس، ذلك المال الذي يُدفع ثمنًا لخيانة القضية الوطنية، لقلب الحقائق، والتنازل عن معركة التحرير لصالح الاستسلام والانبطاح.
إنها والله من أسوأ الخيانات أن تبيع دماء إخوتك ورفاقك من الشهداء، مقابل حفنة من المال الحرام، الذي لن يقودك إلا إلى قعر الجحيم!