كثيرا ما تغيب العقول تحت نير العواطف المشبوبة بمشاعر الحب أو الحقد وحينها تضيع الحقيقة في دهاليز النفوس.
إن لكل حدث متضرر منه ومستفيد - ماديا أو معنويا - كما أن لكل حدث أهدافه ونتائجه المتسقة مع القيم أو المخالفة لها، وهنا يكون ميزان الحكم عليه إذ لا يكفي أن تكون النوايا سليمة بينما تكون النتائج كارثية فذاك مجاف لمنطق الحكمة المطلوبة في التعاطي مع المتغيرات باعتبار المصلحة مربط فرس شرع الله.
لقد كانت فبراير أصغر من ثورة وأكبر من انتفاضة كونها لم تحقق الأهداف، ولكنها حركت ميدان السياسة والاقتصاد والاجتماع وذاك ما يمنحها وصف الحركة، ولعل النقاش على هذه الأرضية لا يستقيم دون التفريق بين فريقين أحدهما حائد عن الصواب والآخر مصيبا رغم وحدة المسار بينهما.
لقد خرج الكثير من أبناء الشعب لتحقيق أهداف نبيلة أبرزها القضاء على الفساد ومنع الاستبداد والوصول إلى الرشد في الحكم في مشهد متسق مع القيم وبذلك يُحمد لهم هذا الموقف القيمي البريء.

ولا شك أن لكل حدث مخططوه ولكل شعب قادته الذين يوجهون دفة حركته، ولقد كان خلف فبراير قادة اختلفت أهدافهم وتباينت توجهاتهم إذ أن البعض من أولئك القادة قد خرجوا بدافع الانتقام من خصومهم السياسيين بينما خرج آخرون على أرضية التنافس المحموم بين الأسر المؤثرة في القرار، في حين خرج آخرون لنيل مصالح أنانية - مادية ومعنوية - يرون أحقيتهم بها بينما خرج آخرون بأهداف إمامية محضة، ولا شك أن من ضمن القادة الذين تبنوا فبراير من انسجمت أهدافهم مع أهداف الشعب السامية.
وحين انتهى المطاف بحركة فبراير على شاطئ الدولة كان تعاملهم معها أغبى أو أضعف مما ينبغي أن يقوم به رجال الدولة فظل التردد لهم قرينا في ظل سيطرة عقلية المخاوف عليهم كما كانت المصالح الفئوية أو الحزبية أو الشخصية حاضرة بقوة في ظل غياب الرؤية الواضحة لبناء الدولة فاستمد من ذلكم الوضع كل مفسد فساده وكل عميل عمالته وكل مصلحي مصلحته فازداد الوضع قتامة واتجه الجميع نحو الانحدار والفشل حاديهم، وكانوا حينها يرون أنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون ولكن مكابرة الجميع تجاه الجميع كانت البوابة لدمار الجميع في ظل أحقاد الجميع.
لقد فشل قادة فبراير في السير به نحو سبتمبر المجيد قدر فشلهم بالسير به نحو مايو العتيد فعادت اليمن إلى الإمامة والتشطير واقعا أو حكما فنتج عن ذلك اهتراء الأعمدة الجمهورية الوحدوية في آن واحد.
ولا يعني ذلك أن قادة فبراير يتحملون وحدهم النتائج الكارثية التي حلت باليمن في العام ٢٠١٤م، ولكن مسؤوليتهم مضاعفة بعيدا عن مناقشة رجال الهدم والتدمير الذين انخرطوا ضمن مشاريع الانتقام لكن الدولة التي أفرزها فبراير تتحمل المسؤولية الدستورية عن ما آلت إليه الأوضاع كون الخيارات القانونية متاحة أمام العاجزين عن القيام بدورهم في حماية الشعب وحراسة الدولة ومؤسساتها.
إن سنن الله لا تسير وفقا لنوايا الطيبين ممن خرجوا كمدعوين لنصرة القيم إنما تسير وفقا للأخذ بأسباب النصر أو الهزيمة التي أخذ القادة بالثانية على حساب أخذ المقودين بالأولى فكانت النتائج كارثية بفعل التوجيه القيادي الملزم لأبناء الشعب السير خلفهم تحت عباءة الحكمة القيادية وفي ضوء ثقافة التغرير والتدجين المصاحبة لكل حدث يتولى قيادته الضعفاء المستكبرون.