كثيرة هي الجوانب التي تستوقف المراقب للانتخابات المصرية، إذ إستطاع فلول النظام السابق (مبارك) والتي ظلت في حالة كمون مؤقت فيما يبدو للمتابع، لكنها في الحقيقة كانت تعمل على ترتيب صفوفها والعودة بشكل أكثر قوة وحضوراً، ولقد كادت تلك الفلول أن تخطف الثورة المصرية التي انتصرت في 11 فبراير، وأن تعود للشعب المصري من الباب الخلفي بعد أن تم إخراجها من النافذة، ولقد أصاب ذلك التطور المفاجيء كثيراً من المحللين والمتابعين للشأن المصري ولشرائح واسعة من المجتمع المصري ومختلف المكونات الثورية بحالة من الصدمة والذهول جراء القدرة العالية التي يتمتع بها فلول النظام السابق والحزب الوطني على التحول وإعادة الانتشار والسيطرة، وفي حال نجح أولئك الفلول في الوصول إلى الحكم مرة أخرى والسيطرة عليه، تكون الثورة المصرية قد أصيبت بنكسة على غرار نكسة 1967م، ولكن وقعها وتداعياتها ستكون كبيرة، ولن تتوقف آثارها عند مصر فقط بل ستشمل كل البلدان التي عاشت ثورات الربيع العربي.
وبهذا يصبح الشعب المصري ومكوناته الثورية أمام امتحان حقيقي في إنقاذ الثورة،والانتصار لها وذلك بالوقوف وراء د. محمد مرسي والذي ينتمي إلى مرحلة إقامة النظام الديمقراطى الجديد، أو اعادة إنتاج نظام مبارك وترشيح الفريق شفيق الذي يعدُ امتداداً للنظام القديم، وبالتالي العودة إلى مربع المواجهة بين قوى الثورة وقوى الثورة المضادة.
وثمة ملاحظات هنا تقودنا إلى استدلال هام يكشف لنا سبب هذا التحول الخطير في المشهد السياسي المصري، إذ ثمة اخطاء وقعت لولاها ماكانت مصر لتعيش هذا السيناريو المخيف، وما كان لفلول حسني مبارك وبقايا حزبه الوطني أن يعودوا بهذه القوة ويحقق مرشحهم ما حققه من نتائج في المرحلة الأولى من الانتخابات، فلقد تم إستغلال حالة الانفلات الأمني والفوضى وعدم الاستقرار التي تعيشها مصر من قبل الفلول والقوى الرافضة للإسلاميين بشكل عام وللإخوان بشكل خاص، وعملت تلك القوى على تصوير تلك الأحداث التي باتت تقلق المواطن المصري أنها من إفرازات الثورة وأن الثورة أحد أسبابها، كما استغلت فلول النظام السابق والحزب الوطني، حالة الغفلة التي تعيشها قوى الثورة وانشغالها بتصحيح مسار الثورة، وعمد الفلول إلى إشغال المكونات الثورية بقضايا هامشية ليست من صميم اهتمام المواطن المصري الذي بات يشعر أن مستقبله ومستقبل أبنائه وبلده مهدد جراء استمرار الفوضى والانفلات الأمني وعدم الاستقرار على كافة المستويات،وبينما انشغلت قوى الثورة المصرية بتلك القضايا، راح الفلول وجيوب نظام مبارك يستغلون كل خطأ تقع فيه القوى والفصائل الثورية، ويعملون على تكبيره وتجسيمه، وفي الوقت ذاته ذهب هؤلاء يعيدون ترتيب صفوفهم، واستعادة قوتهم، ولقد ساعدهم في ذلك إلى جانب محاولات المجلس العسكري بصفته القائم على البلاد والمنظومة الإدارية والإعلامية التي كانت تلعب دورًا كبيرًا في تشويه الثورة والثوار لصالح الفلول.
حملة إعلامية بالغة الشراسة استهدفت الإسلاميين بشكل عام؛ والإخوان بشكل خاص خلال الشهور الأخيرة، وتحديداً بعد نتائج انتخابات مجلسي الشعب والشورى، وهي حملة شاركت فيها وسائل إعلام لا حصر لها تعود ملكية أكثرها لفلول النظام السابق، خاصة رجال الأعمال الذين كانوا جزءاً من منظومته خلال العقدين الأخيرين.
تلك الحملة التي لم يكن بوسع من تابعها سوى القول إن الإخوان سيخرجون بهزيمة منكرة من الانتخابات الرئاسية، مع أنّ الأحداث أثبتت أن الإخوان هم آخر معاقل الثورة، وقد أكدوا ذلك بالأفعال لا بالأقوال وهم التيار المتصدي لأعداء الثورة.
ولهذا ليس غريباً أن تأتي نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية مخيبة لآمال القوى الثورية والوطنية، حيث نجد أن فلول النظام السابق لم يسلموا بالهزيمة في المعركة رغم كل ما جرى، وألقوا بثقلهم خلف الفريق أحمد شفيق في سبيل تأمين صعوده إلى الدور الثاني.
والفلول هنا يتشكلون من أمن وعسكر ونافذين في الدولة، والأهم من رجال أعمال كان الجزء الأكبر من ثرواتهم نتاج التحالف مع رموز النظام، وهم قوم وظفوا المال السياسي ووسائل الإعلام على نحو رهيب لصالح شفيق.
كما أنّ الصوت القبطي والذي كان له حضوره الكبير صبَّ بشكل شبه كامل لصالح شفيق تبعاً لهواجس مفهومه، فيما فعل الصوفيون ذلك أيضا بتوجيه من بقايا النظام السابق،إضافةً إلى فئات ليبرالية، وربما يسارية تكره الإسلاميين كانت لها مساهماتها في تلك النتيجة.
كما أن وجود أكثر من مرشح للتيارات الإسلامية أدى إلى تفتيت أصوات القوة التصويتية الإسلامية مما جاء في صالح الفريق أحمد شفيق وأدى إلى صعوده بهذه الصورة المفاجئة التي شاهدناها عقب فرز الأصوات في الانتخابات الرئاسية.
إضافة إلى اعتماد شفيق في سياسته الدعائية على مخاطبة التكتلات الشعبية والعائلية وليس مخاطبة المواطن، ومنها عائلات الصعيد والجماعات الصوفية والعائلات المحافظة في القطاع الريفي، وهو أسلوب يعتمد على العمق المجتمعي وليس عمق الأشخاص.
لقد جاءت نتائج المرحلة الأولى للانتخابات الرئاسية في مصر لتضع المصريين أمام مفارقة أخرى مثيرة للانتباه، فبعد أن ظلوا طوال الأشهر الماضية يهتفون يسقط حكم العسكر، إذا بهم يفاجئون بشبح استمرار حكم العسكر يطل عليهم بوجه جديد، متنكراً في ثياب ديمقراطية تدَّعى الدفاع عن الثورة من خاطفيها ـ على حد قول المفكر فهمي هويدي.
كل ذلك أثبت أنه مازال في المجتمع المصري قوة تلعب لصالحها، وهى فلول النظام السابق إلى جانب استمرار سيطرة رأس المال، وهذا ينطبق أيضا على حالنا في اليمن.
لقد استيقظ المصريون على وقع مفاجأة كادت تذهب بثورة لم ينعموا بها بعد أدراج الرياح وتعيدهم إلى المربع الأول، وهو الأمر الذي جعل القوى الوطنية تتداعى وبشكل عاجل لإنقاذ الثورة،ومواجهة ذلك التحدي الكبير الذي يفرض على القوى الوطنية أن تستعيد رشدها وتفتح أعينها جيداً بحيث تفرق بين ما هو تناقض رئيسي يهدد بإجهاض الثورة وإفشالها، وبين ما هو هامشى يربك المسيرة، لكنه يظل محافظاً على الثورة ومدركاً أن استمرارها وتثبيت أركانها هو المهمة الأولى والقدر الذي ينبغي الالتفاف حوله والاتفاق عليه، لأجل مصر ولأجل الأمة العربية التي تتطلع إليها.
حدث ذلك في مصر الكنانة، وهي التي حققت ثورة كاملة اجتثت على إثرها كل ماله صلة بالنظام السابق، لكنه ورغم ذلك عاد من جديد، لم يكتفِ بمحاولة إنتاج أدواته، بل سعى للتربع ثانية على رأس السلطة، فكيف بنا نحن في اليمن الذين أنجزنا نصف ثورة، وفقاً لفكر الثورات.
يبدو الأمر بالنسبة لنا أكثر تعقيداً هنا، فبقايا النظام ما تزال تشارك في نصف الحكومة، بل وتحكم قبضتها على عدد من الأجهزة الأمنية والمؤسسات وهو ما يضع مكونات الثورة والقوى الوطنية أمام تحد حقيقي، لا يقل خطورة عن ذلك الذي حدث في مصر، وهو ما يستوجب على قوى الثورة في بلادنا استيعاب الدرس جيداً والاستفادة من مجريات الأحداث في أرض الكنانة وغيرها.
ذلك أنّ بقايا النظام في اليمن لم يستسلموا بعد ولم يقبلوا بالأمر الواقع الذي فرضته ثورة 11 فبراير ومازالوا يراهنون على إحداث المزيد من الفوضى والاضطرابات، مستغلين الأموال التي كسبوها طيلة 33 عاماً من الثراء الغير مشروع، والحكم الفردي الاستبدادي.
يقومون بذلك مستغلين حالة الضعف التي يعاني منها صانع القرار السياسي في هذا البلد، وحالة الاختلالات القائمة التي رتبوا لها ويقفون خلفها تساندهم في ذلك قوى الشر الحاقدة على هذا البلد.
يجب على قوى الثورة وكل التكتلات والتيارات الوطنية تدارك كل ذلك، فبقايا النظام لم يكتفوا بالمجازر التي ارتكبوها هناك وهناك وراح ضحيتها المئات من خيرة شباب اليمن سواء كانوا في المؤسسة العسكرية والأمنية أو في ساحات وميادين التغيير والحرية، بل إنهم يخططون لإحداث المزيد من الفوضى، وارتكاب المزيد من المجازر وإثارة الأحقاد والثارات بين مختلف مكونات المجتمع، وإفشال الحوار الوطني، هذا على المدى القريب، أما على المدى البعيد فإنهم وعلاوةً على ذلك يخططون للعودة إلى الحكم مرة أخرى بعد أن أذاقوا الشعب ويلات لا حصر لها، فهل يا ترى سينجحون؟ عندها سيصبح الانتحار هو الأسلوب الأفضل لكل من شارك في الثورة وأيدها وناصرها هرباً مما ينتظرهم.
إن ما حدث في مصر جدير أن يتوقف عنده كل وطني وكل غيور ليستخلص الدروس والعبر، وإعمالها على ارض الواقع حتى لا يتكرر ذلك السيناريو المرعب هنا في اليمن مرة أخرى.
وهذا يتطلب من رئيس الجمهورية المشير/ عبدربه منصور هادي باعتباره المسئول الأول عن السير بالوطن نحو بر الأمان، يتطلب منه تحركا جدياً وفاعلاً والعمل على تثبيت الأمن والاستقرار، والمضي بالفعل الثوري نحو آفاق أوسع حتى تتحقق كافة أهداف الثورة.
فلم تنتفض اليمن وتقدم كل هذه القرابين من الشهداء والجرحى من أجل إعادة إنتاج النظام السابق وبقاياه في صورة أخري بل حركتها أهداف أخرى أشمل وأنبل، على رأسها إسقاط منظومة حكم فاسدة وفاشلة وعاجزة، وتغيير تركيبة المناخ السياسي المتحلل الذي عطل كل طاقاتها وشل قدراتها على الحركة والتطور، رافعة شعارات تبدو بسيطة في مفرداتها لكن كل واحد منها يمتد في عمق الحياة اليمنية على نحو يصلح معه ليكون سبباً وحيداً وكافياً لإشعال ثورة.
انتفض اليمنيون يطلبون العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية ولذلك يبدو عبثيا وتحركا ضد اتجاه التاريخ أن يتم إعادة إنتاج النظام السابق ورموزه ليخرج علينا بمجازر ومذابح جديدة.
وعلى القوى الوطنية التي خرجت في 11 فبراير 2011م لتنتصر لسيادة وطن وكرامة شعب أُهدرت طيلة 33 عاماً أن تعمل على تحديد وتوصيف وصياغة مستقبل اليمن السياسي والإستراتيجي بصورة تضمن عدم تكرار أو إنتاج النظام السابق أو أيٍ من أدواته التي كان يستخدمها، ما لم فإن شباب اليمن قادرون على النزول إلى الشوارع ونصب المزيد من الخيام وإنشاء المزيد من الساحات من أجل حماية الحرية والتعددية،والانتصار لهذا الوطن.
إن جموع الثورة أسقطت جمهورية الخوف وقوى التخلف، وإذا كان هناك بعض من أدمنوا العبودية لزعيم قوى البطش والنهب والتخلف وقطاع الطرق وصناع الأزمات، فإن جيلا يمنياً جديدا ولد مع هذه الثورة، استنشق رائحة الدم وعرف صوت اختراق الرصاص والقذائف للأجساد الغضة والجماجم النبيلة، فتعلم أبجدية المواجهة وانتزاع الحلم من بين فكي المستحيل، وآمن بأن الحق والعدل والخير والجمال قيم أساسية وليست شعارات براقة أو مفردات في موضوع إنشاء في امتحان عابر.. هذا الجيل عايش وقائع استشهاده على الأرض وتربى على أن يحيا بكرامة.
وعلى القوى الحزبية والسياسية والقبلية التي تريد أن تجعل من تضحيات الشباب سُلَّمَاً لتقاسم الكعكة واعتماد المحاصصة، والاستحواذ على الثروة والتكويش عليها، وعقد الصفقات السياسية وراء الكواليس لتحقيق مصالح شخصية وفئوية، وتمرير مشروعات صغيرة وأفكار إقصائية ومناطقية، عليها أن تعي جيداً أنّ هذا الجيل لن يفرط في الحساب، ولن يرضى من الثورة بالقشور والفتات، ولن يهدأ حتى يرى الشعارات التي بذل من أجلها الدم تتحقق غير منقوصة،وعلى من يريدون الاستقرار حقاً وفعلاً أن يدركوا أن استمرار ماكينة نظام صالح في العمل يعنى في اللحظة ذاتها توفير الأسباب اللازمة والعناصر الضرورية لاستمرار الفعل الثوري الذي لن يظل حبيساً للأساليب والفعاليات التقليدية، بل لديه القدرة على ابتكار أساليب أخرى لن يكون الغضب الثوري أخرها.
ذلك أن وعياً جديداً تشكل في اليمن، وصار هناك ترمومتر قياس لا يخطئ، فلا يظنن أحد أنه قادر على دغدغة المشاعر بطنِين أجوف عن ثورة هو خصمها.
إن استمرار بقايا النظام في صلفها وممارساتها العدوانية ضد أبناء الشعب ورفضها الانصياع لقرارات الشرعية الدستورية والثورية، مستغلةً حالة الضعف والتردد التي يعاني منها صانع القرار السياسي، وانحسار الفعل الثوري، من شأنه إعاقة حركة عجلة التغيير والحيلولة دون بناء الدولة اليمنية الحديثة.
صفوان الفائشي
فلول مصر... وبقايا اليمن !! 2047