نرفض المساس بأمن المملكة.. لكن هل تخدم سياستها استقرار اليمن
2025-02-09 02:49:45

شكّلت التطورات التي شهدتها محافظة حضرموت أواخر عام 2025 وبداية 2026م،نقطة تحوّل مفصلية في مسار الصراع اليمني وطبيعة التفاعلات الإقليمية داخل التحالف العربي، إذ انتقلت المحافظة من ساحة تنافس مُدار إلى مسرح حسم ميداني أعاد تشكيل موازين القوة وفرض معادلات أمنية جديدة، في هذا السياق تتناول هذه الورقة البحثية التحولات التي شهدها شرق اليمن، ولا سيما حضرموت والمهرة، باعتبارها نتاجًا لتفاعل معقّد بين التنافس السعودي – الإماراتي، ومسارات الصراع اليمني، واعتبارات الأمن الإقليمي، مع التركيز على مسار الانتقال من التنافس إلى لحظة الانسحاب الإماراتي، وما رافقها من تصعيد ميداني وردود فعل سعودية حاسمة أسهمت في إعادة رسم موازين القوة، وفتحت المجال أمام مرحلة اتسمت بالحسم العسكري، ومحاولات استعادة الدولة، وتقليص هوامش المشاريع الانفصالية.
وتسعى هذه الورقة للإجابة عن تساؤل مركزي قوامه كيف يسهم التحول في طبيعة العلاقة السعودية – الإماراتية في إعادة تشكيل موازين القوة في اليمن، وانعكاساته على الأمن القومي السعودي، واستعادة وبناء الدولة اليمنية، ومسارات الصراع والسلام.، وتعتمد على منهجية تحليلية مركبة تجمع بين تحليل الصراع، وتحليل السياسات الأمنية الإقليمية، مع توظيف أدوات التحليل الجيوسياسي، وتحليل الفاعلين، لفهم تفاعل المستويات المحلية والإقليمية، وتتبع ديناميات الانتقال من إدارة التنافس إلى فرض الحسم، وتضع الورقة ثلاثة سيناريوهات محتملة لما بعد الانسحاب في ضوء اعتبارات الأمن القومي السعودي وموازين القوة ومتطلبات بناء الدولة اليمنية.
من التحالف إلى التنافس
تشكل التحالف العربي في مارس 2015 بقيادة المملكة العربية السعودية ومشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة، بهدف إنهاء انقلاب مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، واستعادة الشرعية، غير أن مسار العمليات، ولا سيما بعد تحرير عدن وجنوب اليمن، كشف عن تباين متزايد داخل التحالف، فقد اتجهت الإمارات إلى ترسيخ وجودها في المناطق المحررة عبر بناء تشكيلات عسكرية وكيانات سياسية تابعة لها، ما عكس ابتعاداً تدريجياً عن أهداف التحالف المعلنة، وتعارضاً متنامياً مع المقاربة السعودية لإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، ومثّلت محافظة حضرموت الساحة الأولى لهذا التحول، حيث انتقلت العلاقة بين الرياض وأبوظبي، وفقا لورقة بحثية بعنوان "تنافس الحلفاء: دارسة سياسات السعودية والإمارات في حضرموت"، من تحالف عملياتي تحكمه ضرورات الحرب ضد مليشيا الحوثي إلى نمط من التنافس اتسم بتباين في التصورات الأمنية وأدوات التأثير المحلي، فمع تمدد النفوذ الإماراتي عبر تعزيز حضور المجلس الانتقالي وتبني سياسات السيطرة التامة على المحافظة، اعتمدت الرياض حزمة سياسات هدفت إلى تقليص النفوذ الإماراتي، شملت رعاية مشاورات حضرمية أفضت إلى تشكيل مجلس حضرموت الوطني، إلى جانب ترتيبات سياسية وتنموية واسعة قُوبلت برفض وتصعيد من المجلس الانتقالي، بما عكس احتدام التنافس السياسي بين البلدين الحليفين.
وعسكريًا، استمر التنافس حول مسرح انتشار القوات بين سيطرة قوات الانتقالي على مدينة المكلا والمنطقة العسكرية الثانية، وانتشار قوات المنطقة العسكرية الأولى الحكومية وقوات درع الوطن في الوادي والمناطق الحدودية، وفي حالات عدة وصل التوتر حدود قريبة من الاشتباك بين القوات.
من التنافس للإعداد للقتال
في سياق التحولات الجيوسياسية في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، اتجهت الإمارات إلى تسريع تطلعات المجلس الانتقالي نحو مسار انفصالي عن الجمهورية اليمنية، وبلغ الإعداد للتصعيد الميداني مرحلة متقدمة في أغسطس 2025، مع بروز صالح علي حسين الشيخ أبو بكر، المعروف بـ "أبو علي الحضرمي"، المرتبط بعلاقات سابقة مع إيران وحزب الله، على رأس قوات الدعم الأمني كجزء من قوات النخبة الحضرمية التي أنشأتها الإمارات، وقد تشكّلت القوة التي يقودها من مقاتلين غالبيتهم من الضالع ولحج وعدن، وحظيت برعاية ودعم إماراتي مباشر.
ميدانيا تحرّك الحضرمي في مسار تصادمي، دافعا بقواته للاحتكاك مع قوات حلف قبائل حضرموت التي يقودها الشيخ علي بن حبريش، بالتوازي مع تصعيد سياسي وإعلامي قاده المجلس الانتقالي ضد المكونات الحضرمية المناهضة له، وترافقت هذه التحركات مع إجراءات تعبئة عامة، شملت الدفع بسرب متطور من الطيران المسيّر القتالي والاستطلاعي.
وفي الإطار السياسي الموازي في 15 نوفمبر 2025 وفّر اللواء فرج البُحسني، عضو مجلس القيادة الرئاسي ونائب رئيس المجلس الانتقالي، غطاءً مباشرا لهذه التحركات عبر اتهام رئيس المجلس رشاد العليمي بتعطيل قرارات تطبيع الأوضاع في حضرموت والتهديد بفرض قرارات أحادية، واكتمل المشهد صبيحة 30 نوفمبر 2025، بتنظيم عرض عسكري واسع في ساحة العروض بعدن بحضور عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي، جرى خلاله استعراض وحدات عسكرية سُميت بــ"الجيش الجنوبي"، في رسالة تؤكد الانتقال من التعبئة إلى الجاهزية العملياتية.
الذراع الإماراتي على الحدود السعودية
ومع نهاية نوفمبر2025، دفع المجلس الانتقالي بأكثر من 13 لواء وعدة كتائب قتالية، قُدّر قوامها بنحو 15 ألف مقاتل، نُقلت من عدن ولحج وأبين والضالع وشبوة، إلى حضرموت والمهرة، مدعومة بالمعدات الثقيلة والمدفعية والطيران المسيّر والصواريخ المضادة للدروع، وضمّت هذه القوات ألوية الدعم والإسناد، وألوية من المشاة والصاعقة، إضافة إلى ألوية الدعم الأمني بقيادة الحضرمي، وقد عكست هذه التحركات المتزامنة اكتمال الإعداد الميداني للتصعيد لفرض وقائع جديدة بالقوة في المحافظات الشرقية.
في صبيحة الثالث من ديسمبر2025م، اجتاحت قوات المجلس الانتقالي وادي حضرموت، وعقب مواجهات محدودة مع وحدات من المنطقة العسكرية الأولى وحلف قبائل حضرموت تمكنت من فرض سيطرة كاملة على شرق اليمن (محافظتي حضرموت والمهرة)، وأسفرت العمليات عن السيطرة على مقار قيادية في سيئون والقطن وشبام وتريم وساه، وعتاد ثقيل ومطارات ومواقع وقواعد عسكرية، ويبدو أن الإمارات ضغطت على قوات الانتقالي لتوسيع مسرح انتشارها إلى تخوم الحدود السعودية في محوري ثمود ورماه وصولاً إلى العبر والوديعة وإلى محافظة المهرة، وسيحمل وصول الذراع الإماراتي إلى التماس المباشر مع الحدود والسعودية دلالات أمنية وتجاوزاً لخطوط حمراء تستوجب رداً سعودياً حاسماً.
خطوط حمراء وضربة جوية
أثار سيطرة قوات الانتقالي على حضرموت وملامسة تخوم الحدود السعودية قلق أمني بالغ الحساسية، وحسب خبير الدراسات الامنية د. هشام الغنّام المشرف العام على مركز البحوث الأمنية في جامعة الأمير نايف للعلوم الأمنية، فإن حضرموت في العقل الاستراتيجي السعودي تمثل مسألة وجودية، فهي عمقها الجنوبي الأهم بحدود برية طويلة ومفتوحة تتجاوز 600 كيلومتر، تاريخيًا أدّت حضرموت دور المنطقة العازلة التي تمتص الاضطرابات قبل وصولها إلى الداخل السعودي، وشكّلت صحاريها الواسعة حاجزًا أمنيًا طبيعيًا، وسيطرة كيان غير منسجم مع الرياض على هذه الجغرافيا تعني كسر هذا الحاجز، وفتح المجال أمام تهديدات متعدّدة تشمل تهريب السلاح وتسلل الجماعات المسلحة والإرهابية، بما يحوّل الحدود الجنوبية من خط دفاع أساسي إلى نقطة ضعف مزمنة تستنزف الموارد الأمنية والعسكرية السعودية، كما أن تصاعد التوترات الإقليمية وتنامي القدرات على تهديد ممرات الطاقة يجعل حضرموت موقعا استراتيجيا ومنفذاً بحرياً بديلاً يقلل من الاعتماد على نقاط اختناق هشة مثل مضيق هرمز، علاوة على ذلك فصلب القلق السعودي يكمن في السماح بوجود دولة جنوبية مستقلة شكليّاً لكنها عمليًّا مرتهنة أمنيًّا وعسكريًّا لدول أخرى لا ترتبط بحدود مباشرة مع اليمن، مندمجة في شبكة مصالح بحرية وتجارية تقودها مواني دبي والفجيرة، وتتقاطع موضوعيًّا مع مشاريع مواني حيفا وبيرايوس ضمن مسار (IMEC)، ومنفتحة على حضور استخباراتي وتقني إسرائيلي، ويوضح الغنّام أنه في هذا السيناريو سيتحول الجنوب إلى كيان وظيفي للضغط على السعودية، عبر تطويقها بحزام نفوذ بحري واقتصادي وأمني يمتد من باب المندب إلى بحر العرب، والرياض غير مستعدة لقبول رؤية قاعدة عسكرية واستخباراتية إسرائيلية على حدودها، ضمن منظومة إقليمية عدوانية تُدار خارج إرادة الرياض وموجهة ضدها بشكل أساسي، بما يحمله من مخاطر مباشرة على أمن الطاقة، ويتجاوزها إلى احتمال فرض حصار استراتيجي على أكبر دول الجزيرة العربية، وعليه فالتطورات الراهنة تجعل معركة حضرموت معركة مصيرية بالنسبة للسعودية لا تحتمل التهاون مهما بلغت الضغوط.
وفي هذا السياق الأمني القلق جاءت الضربة الجوية السعودية لشحنة أسلحة إماراتية غير مصرح بها في ميناء المكلاّ بحضرموت كرسالة ردع حاسمة وإعلانا عن خطوط أمن قومي حمراء لا يٌقبل تجاوزها.
انسحاب أم إعادة تموضع؟
في أعقاب اجتياح قوات الانتقالي لحضرموت تقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي د.رشاد العليمي بطلب رسمي إلى دولة الإمارات يقضي بالخروج من اليمن خلال مدة 24 ساعة، وقد تعزّز الطلب بدعم سعودي واضح عبر عنه بيان وزارة الخارجية السعودية دعا الإمارات إلى تنفيذ الانسحاب خلال مدة 24 ساعة، وإيقاف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف كان داخل اليمن، ثم ببيان أكثر دلالة صادر عن مجلس الوزراء السعودي برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز، أكد على ذات الموقف.
ويبدو أن الإمارات تفاجأت بقوة وحسم الموقف السعودي، وتوصلت إلى أن المواجهة وحتى وإن أرادتها سياسية ستكون مكلفة لها وغير محمودة العواقب، وهنا جاء إعلان وزارة الدفاع الإماراتية عن سحب ما تبقى من قواتها في اليمن، وأعقبته ببيان وزارة خارجيتها، وقد عكست لغة البيانين حرصاً واضحاً على تأطير الخطوة ضمن احترام السيادة اليمنية، والحرص على أمن واستقرار السعودية، ويبدو أن الخطوة الإماراتية لا تمثل انسحابا نهائيا بقدر ما تعكس إعادة تموضع، فقد سبق للإمارات في 2019م، أن أعلنت مغادرة قواتها اليمن، ومن المتوقع أن إعلان الانسحاب الحالي سيترافق مع تعزيز النفوذ غير المباشر عبر التشكيلات العسكرية التي جرى بناؤها خلال السنوات الماضية (قوات المجلس الانتقالي، وقوات المقاومة الوطنية التي يقودها الفريق طارق صالح، وقوات العمالقة التي يقودها أبوزرعة المحرمي)، وجميع قادة هذه التشكيلات أعضاء في مجلس القيادة الرئاسي اليمني، إلى جانب أدوات سياسية وأمنية واقتصادية ما تزال فاعلة على الأرض، وربما تعتمد أبوظبي هذا الأسلوب المركّب لمنح نفسها هامش مناورة واسع يتيح لها صون مصالحها البحرية والاقتصادية والأمنية التي بنتها في اليمن خلال عشر سنوات خلت، ودون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع السعودية أو تحمّل كلفة سياسية وأمنية مرتفعة، وفي هذا المعنى، لا يُفهم الانسحاب الإماراتي بوصفه خروجًا نهائيًا بقدر ما يعكس إعادة تموضع محسوبة.
حسم ميداني بغطاء جوي
في 2 يناير 2026 أطلق رئيس مجلس القيادة الرئاسي عمليات الحسم الميداني في حضرموت والمهرة بتكليف محافظ حضرموت سالم الخنبشي القيادة العامة لقوات درع الوطن ومنحه صلاحيات كاملة، ووفرت السعودية إسناد جوي مركز، وإجراءات مساندة شملت اكتمال انتشار القوات البحرية الملكية السعودية في بحر العرب لتعزيز الرقابة ومكافحة التهريب، بما عكس مقاربة عملياتية متكاملة للحسم برا وبحرا وجوا.
خلال بضعة أيام تمكنت قوات درع الوطن من إحكام السيطرة على حضرموت والمهرة، وتأمين مديريات الوادي والصحراء، ومدينة المكلا، والمواقع الحيوية والسيادية، بما فيها مطارا سيئون والريان، وكشفت المواجهات افتقار قوات الانتقالي للحاضنة الشعبية، ما سرّع انهيارها وسهّل على القوات الحكومية فرض السيطرة واستعادة زمام المبادرة.
الشرق يقلًص هامش الانفصال
في إطار أعم يبدو أن التحولات الناجمة عن أحداث شرق اليمن، ستقلص هامش الانفصال الذي تعمل عليه الإمارات وتنظر إليه كنسق ضمن سياسة الانتشار الاستراتيجي خارج الحدود، وتمكنت خلال عشر سنوات من بسط سيطرة مباشرة وغير مباشرة، عبر قوات محلية مرتبطة بها، على الساحل اليمني من حضرموت شرقاً وحتى باب المندب غرباً، بهدف توظيف الموقع البحري في إعادة تشكيل مسارات التجارة الدولية في المنطقة، وقد شكّلت السيطرة على الموانئ وحقول النفط والغاز ومنشآت التصدير والبنى التحتية البحرية دافعاً أساسياً، ووفقاً لتحليلات دولية فمنذ عام 2018، تحولت هذه الأصول إلى مصلحة وطنية إماراتية، وبات جنوب اليمن منصة لتعزيز سياستها- الاستدارة نحو الشرق- في إطار شراكاتها الآسيوية، وضمن هذا المسار الانفصالي أعلن رئيس المجلس الانتقالي في أبريل 2020 من أبو ظبي الإدارة الذاتية للجنوب، ثم تراجع تحت ضغط سعودي.
وفي المقابل ترى السعودية أن وحدة اليمن، ضرورة أمنية حيوية لحماية حدودها، ومنع نشوء كيان انتهازي وظيفي على تخومها، يخدم أجندات إقليمية ودولية معادية، ولعل من حظّ اليمن المنقسم أن يتداخل رفض السعودية لمشروع الانفصال مع اعتبارات المصلحة والأمن القومي السعودي، ومع تصورها بأن وحدة اليمن تمثّل الضامن الأهم للاستقرار طويل الأمد، ترى الرياض أن الانفصال سيقود إلى موجات جديدة من الفوضى والاقتتال، ويهدد بتشظي جنوب اليمن إلى كيانات متناحرة تُقوِّض استقرار المنطقة، كما تخشى أن يُسهم الانفصال في ترجيح كفة مليشيا الحوثي عسكريًا واستراتيجيًا بما يهدد الأمن القومي السعودي، فضلًا عن أن الانفصال يتعارض مع مبدأ راسخ في السياسة الخارجية السعودية يقوم على احترام وحدة أراضي الدول وسلامتها الإقليمية.
عودة تدريجية للسيادة
يبدو أن حسم قوات الحكومة اليمنية للمعارك في شرق اليمن، وانهاء الوجود الإماراتي سيُنتج تحولات كبيرة في موازين القوة، والانتقال من إدارة توازنات هشّة إلى فرض قواعد ملزمة للعلاقة بين السلطة الشرعية والتشكيلات والمكونات العسكرية المنضوية في إطارها ، وسيجعل الحكومة أكثر ثقة في ممارسة وظائفها السيادية، وترسيخ الاعتبار للمركز القانوني لرئيس مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، ومؤسسات الدولة، وحتى الآن انعكست مظاهر هذا التحول على طبيعة العلاقة مع الفاعلين المحليين، خصوصًا في حضرموت، حيث أعادت الحكومة الشرعية تقديم نفسها كمرجعية سيادية للإدارة والأمن والموارد، وتزامن ذلك مع انتهاء الغطاء السياسي الإماراتي الذي مكّن الانتقالي لسنوات من فرض سيطرة شبه تامة.
ميدانياً أدى تغيّر موازين القوة إلى صعود دور المؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها السلطة المحلية في حضرموت، التي مثّلت أداة سيادية لإعادة ضبط المجال العسكري، واستلام المعسكرات، وتنظيم السلاح، وترسيخ مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة، وفي المهرة أدى إخراج قوات الانتقالي من المحافظة إلى تعزيز حضور الدولة، وإعادة انتظام المشهد الأمني والمؤسسي، كما أسهمت السيطرة على الموانئ والمطارات والمنشآت السيادية في حضرموت، بما في ذلك الحقول النفطية والموانئ التصديرية وشركة بترومسيلة، في استعادة السلطة على الموارد والأصول السيادية للدولة.
ومن المفترض أن تشكل هذه التحولات مسارًا تراكمياً لاستعادة الدولة اليمنية لسيادتها في عموم اليمن، بداية بتوحيد القوات والتشكيلات العسكرية تحت قيادة وزارة الدفاع ورئاسة الأركان، وإلزام جميع مكونات الحكومة الشرعية بالإطار السيادي، وصولا لإنهاء الانقلاب، وبناء الدولة اليمنية، وتحقيق السلام والاستقرار المستدامين.
سيناريوهات ما بعد الانسحاب
يُمثّل الانسحاب الإماراتي وتغير موازين القوى المحلية والإقليمية، بداية لتحولات عميقة تتداخل فيه اعتبارات الأمن القومي، والمصلحة الوطنية، وإمكانات استعادة الدولة اليمنية وإرساء السلام، وانطلاقاً من المعطيات الراهنة، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية خلال المدى المنظور:
السيناريو الأول: تثبيت سيادة الدولة وتحقيق السلام
يقوم هذا السيناريو على نجاح السعودية كقائد أوحد لتحالف دعم الشرعية في تحويل الانسحاب الإماراتي إلى فرصة لتثبيت سيادة الدولة اليمنية في جميع المناطق خارج سيطرة مليشيا الحوثي، ويفترض هذا السيناريو تسريع دمج القوات والتشكيلات العسكرية لمكونات الشرعية تنفيذا لمقررات اتفاق الرياض نوفمبر 2019، وكذلك يفترض عودة مجلس القيادة والحكومة ومسؤولي الدولة إلى داخل اليمن، ومن مؤشرات التفاؤل في هذا السيناريو، تلبية السعودية لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي لرعاية مؤتمر حوار جنوبي لحل القضية الجنوبية بمشاركة جميع المكونات، وتأييد دولي واسع لذلك، وقبول المكونات الجنوبية المشاركة، بما فيها المجلس الانتقالي، هذا السيناريو يمنح السعودية دور الضامن الإقليمي، لا الوصي، بما يتسق مع مصالحها الأمنية طويلة الأمد، خصوصًا ما يتعلق بأمن الحدود، ومنع تمدد الفواعل دون الدولة، وتأمين الممرات البحرية، وتطوير مسار لإرساء سلام شامل تدخل فيه مليشيا الحوثي، غير أن نجاح هذه التحولات يظل مرهونًا بوجود دعم سعودي حاسم ومستمر، وكذلك بقدرة السلطة الشرعية اليمنية على استثمار ذلك، لا تكريس الانقسامات، وبناء الولاءات الشخصية والحزبية والجهوية.
السيناريو الثاني: تثبيت الوضع الراهن
يفترض هذا السيناريو بقاء الوضع الراهن كما هو عليه، تنجح السعودية في كبح إمكانات إعادة التموضع الإماراتي، ومنع امتداد الاشتباك العسكري ليشمل الجغرافيا اليمنية، وفي هذه الحالة، تستمر مؤسسات الدولة اليمنية في ممارسة حضورها الشكلي، بينما يُعاد توزيع النفوذ بين فاعلين محليين متعددي الولاءات، ضمن تفاهمات غير معلنة، تضبطها مصالح إقليمية أكثر من متطلبات بناء الدولة ، هذا السيناريو يفتح المجال أمام عودة تنافس إقليمي منخفض الحدة، يتخذ أشكالا أمنية واقتصادية وإعلامية، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، لكنه يُقوّض فرص بناء الدولة اليمنية، وتحقيق السلام والاستقرار.
السيناريو الثالث: انتكاسة وإعادة تدوير الصراع
ينطلق هذا السيناريو من فشل الحوار الجنوبي، وجنوح إماراتي مغامر ربما مسنودا من إسرائيل، ومدعوما من القوات والمكونات التي بنتها خلال السنوات الخوالي، ويرافق ذلك تراخي في الموقف السعودي، واخفاق السلطة الشرعية اليمنية في استثمار التحولات الراهنة والبناء عليها، وفي هذه الحالة، قد يتحول مجددًا جنوب اليمن وشرقه، واليمن عموما، إلى ساحة صراع مفتوح، سواء عبر مواجهات مباشرة، أو من خلال تفكيك وفوضى أمنية تضعف حضور الدولة ومؤسساتها وقدرات فرض الأمن والنظام، ويمثل هذا السيناريو خطرًا مزدوجًا على اليمن والسعودية، فهو من جهة يهدد الامن القومي السعودي، ويدفع فاعلين إقليميين إلى الانخراط في الصراع اليمني بأدوات ربما أكثر صلابة، ومن جهة ثانية يعيد تدوير الصراع اليمني، وربما يُقوّض مفهوم الدولة اليمنية ذاته.
خاتمة
أفضت التحولات في شرق اليمن إلى إعادة تشكيل واضحة في موازين القوى، اتسمت بانتقال مركز الثقل الإقليمي نحو السعودية بوصفها الفاعل الأكثر حضورًا وتأثيرًا، أسهم حتى اليوم بتحقيق الانسحاب الإماراتي، والدعم العسكري والسياسي القوي للموقف الحكومي اليمني، في منع اليمن من الانزلاق نحو مسار تفكيكي وفوضى جديدة، ويبدو أن التحولات ستمتد لإنهاء حالة التشاكس الحاد، والتعدد غير المنضبط، للمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة اليمني.
في هذا السياق نجحت السعودية أيضا في ترسيخ موقعها القيادي، مستندة إلى ثلاثة عناصر متداخلة: الحسم وعدم المداهنة في قضايا أمنها القومي، وتوافق عالي مع السلطة الشرعية اليمنية، وتأييد سياسي إقليمي ودولي كبير، وهذا يمكنها من الانتقال من دور الشريك ضمن تحالف متعدّد الأدوار إلى موقع قيادة وحيد لتحالف دعم الشرعية واستعادة الدولة اليمنية، ولا يعني ذلك إنهاء التنافس الإقليمي بشكل نهائي، بقدر ما يشير إلى انتقاله من ساحة المواجهة الميدانية إلى فضاء الضبط والردع السياسي والعسكري طويل الأمد، وبذلك، لا تُغلق تحولات شرق اليمن فصل التنافس الإقليمي بقدر ما تعيد تعريفه، وتجعل مستقبل اليمن مرهونًا بقدرة الشرعية اليمنية على تحويل لحظة الحسم إلى مسار يحقق السلام والاستقرار المستدام في اليمن ومع المنطقة والعالم.
تركز مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران مجهوداتها الرئيسية على تعبئة المجتمع وتجنيده عسكريًا وتأطيره أيديولوجيًا، لخدمة مشروعها وحروبها المستقبلية، استنساخًا للتجربة الإيرانية. زعيم الميليشيا أفصح عن تدريب أ مشاهدة المزيد
في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد