ليست المعضلة الكبرى في اليمن أن الناس فقدوا إرادتهم، بل أن الإرادة كثيرا ما سبقت القيادة، ففي كل محطة مفصلية، أثبت اليمنيون أنهم قادرون على تجاوز الخوف، وكسر الصمت، وإعلان موقفهم عندما تبلغ الكرامة حدها الأخير، لكنهم، في المقابل، ظلوا يفتقدون القيادة التي تعرف كيف تلتقط تلك اللحظة التاريخية، وتحولها من هبة عاطفية إلى مشروع وطني يغير مجرى الأحداث..
لقد أعاد النكف القبلي إلى الواجهة حقيقة حاولت سنوات الحرب أن تطمسها، وهي أن القبيلة اليمنية ليست مجرد امتداد اجتماعي، بل خزان هائل للإرادة الشعبية. وما شهدناه لم يكن استجابة لنداء شخص، بقدر ما كان انفجارا لمشاعر تراكمت طوال سنوات من الإقصاء والانتهاكات والخذلان. كان نكفا للكرامة قبل أن يكون نكفا للقبيلة، ورسالة تقول إن اليمني قد يصبر على الجوع والفقر وضيق العيش، لكنه لا يقبل أن تهان كرامته..
لقد أثبت هذا المشهد أن المجتمع لم يمت، وأن الروح الوطنية لم تهزم، وأن سنوات الحرب، على قسوتها، لم تنجح في إطفاء جذوة الحرية في نفوس اليمنيين. وهذا وحده كفيل بإسقاط الرواية التي حاولت تصوير الشعب وكأنه استسلم للأمر الواقع..
لكن التاريخ يعلمنا أن الإرادة وحدها لا تكفي.
كم من أمة امتلكت جماهير غاضبة، ثم ضاعت لحظتها لأنها لم تجد من يحسن قيادة المشهد؟ وكم من فرصة تاريخية تبددت لأن القائد تردد حين كان الحسم مطلوبا، أو انشغل بحسابات اللحظة بينما كانت الشعوب تصنع مستقبلها؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم ليس ضعف الجماهير، بل غياب القيادة التي تدرك أن التاريخ لا ينتظر المترددين، فاللحظات الكبرى لا تتكرر كثيرا، وإذا أُهدرت، فإنها قد لا تعود إلا بعد سنوات طويلة، وقد يكون ثمن استعادتها أفدح بكثير..
واليوم، تبدو اليمن وكأنها تقف أمام هذا الامتحان من جديد. فهناك مجتمع أعلن، بلغته الخاصة، أنه لم يفقد إرادته، وأنه لا يزال قادرا على الاصطفاف حين يشعر أن كرامته ووطنه في خطر. وما يحتاجه هذا المجتمع ليس من يزايد على تضحياته، ولا من يركب موجة غضبه، وإنما قيادة تمتلك رؤية تتجاوز الأشخاص، وتضع نصب عينيها هدفا واحدا: إخراج اليمن من دوامة الحرب إلى أفق الدولة والسلام..
لقد كشفت السنوات الماضية أن الأزمة اليمنية لم تكن أزمة شجاعة شعب، وإنما أزمة قيادة ومشروع. فالشعب كان حاضرا كلما استدعته الضرورة، أما المشروع الوطني فقد ظل غائبا، تتنازعه الحسابات الضيقة والانقسامات، حتى ضاعت فرص كثيرة كان يمكن أن تغير مسار البلاد..
ولهذا، فإن قيمة أي لحظة تاريخية لا تقاس بحجم الحشود التي تصنعها، وإنما بقدرة العقل السياسي على استثمارها في بناء توافق وطني واسع، يعيد الاعتبار للدولة، ويمنح اليمنيين أملا في مستقبل يتسع للجميع. فالأوطان لا تنهض بانتصار فريق على آخر، بل بوجود قيادة تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتفتح أبواب السياسة بدل أن تترك البلاد أسيرة منطق القوة..
لقد تعب اليمنيون من انتظار المنقذ الأسطوري، لكنهم ما زالوا يتطلعون إلى رجال دولة يدركون أن القيادة ليست لقبا، وإنما مسؤولية تاريخية. وأن أعظم القادة ليسوا أولئك الذين يملؤون المنابر بالخطب، بل الذين يعرفون كيف يحولون آلام الناس إلى مشروع يعيد للوطن استقراره، وللمواطن كرامته..
فالتاريخ لا يكتب أسماء الذين راقبوا اللحظة من بعيد، ولا يخلد الذين ترددوا حتى انطفأت الفرصة. إنه يحتفظ فقط بأسماء أولئك الذين عرفوا أن للأمم مواعيد فاصلة، وأن التأخر عن تلك المواعيد قد يكون هزيمة لا تقل مرارة عن الهزائم في ميادين القتال..
واليمن اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لا يفتقر إلى الرجال، ولا إلى الإرادة، ولا إلى الشجاعة. ما يفتقر إليه هو قيادة وطنية قادرة على تحريك الطاقات التي تجمعت في مطارح الريان في مشروع جامع، ينهي زمن الانقسام، ويفتح صفحة جديدة يكون عنوانها الدولة، والكرامة، والسلام، فإذا تأخر القرار، فإن العزائم ستضعف والرغبة في الثورة ستنطفئ..