حل المجلس الإنتقالي عبر جمعيته العمومية، وعلى لسان أمينه العام خطوة ضرورية، وجاءت في وقتها للتخلص من تبعات ماضيه المثقل، والتي أقلها ما ذكر في بيان حل المجلس عدم تحقيقه لأهدافه التي أنشئ من أجلها، وهو إقرار صريح بحجم الهدر والجهود على جميع المستويات لعدة سنوات محصلتها سراب يحسبه الظمئان ماءً، وبعيداً عن تلطف البيان في وصف فشل المجلس الانتقالي إلا أن ما تمخض في الفترة الماضية من اختطاف للقضية الجنوبية والسير بها في مسارات توظيفية خارج إطار العدل والميزان فيها وبمنأى عن المصالح العليا للشعب اليمني بأكمله وإضراراً لجيرانه، قد أصاب القضية الجنوبية في مقتل وأتاها بؤسها وشقوتها من المتاجرين بها.
وفي غضون أيام من الانكشاف الذي كان محجوباً لدى قطاع واسع من أبناء الشعب اليمني عموماً والمحافظات الجنوبية خصوصاً صحونا على زلزال كاد أن يغرق اليمن في بحار من الظلمات! لولا لطف الله ثم تدخل الأشقاء في المملكة العربية السعودية لوأد هذه الكارثة.
قرابة عقد من الزمن والشعب اليمني يتجرع مرارة الإعاقة التي كرست من قبل سياسة المجلس في مختلف المجالات، من أقلها إعاقة التنمية، وتجميد مصالح الناس وإحتياجاتهم في المناطق المحررة، وتعطيل الحياة السياسية، بفرض سياسة أحادية تحاكي منطق الإستبداد - ما أريكم إلا ما أرى- مع تغييب تام للمجال الحقوقي بدفن مئات الانتهاكات الجسيمة التي مورست في الفترة السابقة تحت نفوذ المجلس وأجهزته الأمنية ومن يقف خلفها، إضافة إلى خلق تصدعات مجتمعية بين أبناء الشعب اليمني شماله وجنوبه وشرقه وغربه وتفريخ فئوية وطفيليات جهوية لا فائدة منها، سوى إفساد ذات البين والضغائن التي أفقدت الناس مقومات الثقة وصدعت مداميك البناء المجتمعي لصالح العدو المتربص - مليشيا الحوثي -بقطع السير نحو تحرير العاصمة صنعاء بمثل هذه الجبهات العبثية في منظومة الشرعية، وفوق ذلك استثمار مشبوه بتشييد امبراطورية مالية شللية من الفساد والسطو والنهب للممتلكات العامة والخاصة في واقع بئيس من الفقر والبطالة وسائر أنواع التعاسات، وخاتمة السوء والقشة التي قصمت ظهير البعير هي المضي في جعل اليمن منصة ومحطة لأذى الجار الظهير بجلب ويلات كارثية على الأمن المحلي والإقليمي والولوج في دهاليز مشاريع معادية للصف العربي والإسلامي وتطويق المنطقة بتمكين أعدائها بغية الحصول على الحلم الموهوم.
بكل تأكيد أن خطوة الحل قد أرسلت رسالة إيجابية ينبغي التقاطها لتصحيح مسار القضية الجنوبية في إطار وضعها الطبيعي بعيداً عن المتاجرة بالشعارات والمزايدات أو الزج بها في تحقيق أجندات وظيفية أو مطامع وأغراض شخصية أو فئوية، وقد أشار القائمون على حل المجلس الإنتقالي إلى براءتهم من التحركات العسكرية الأخيرة التي شهدتها المحافظات الشرقية في الآونة الأخيرة مؤكدين بذلك طبيعة الاستبداد الفردي داخل الأروقة الانتقالية - سلطوية عيدروس وبطانته - وسوف تظل هذه الخطوة التي أقدم عليها الانتقالي محل قبول وترحيب حتى تؤتى ثمارها في الحياة السياسية بعيداً عن الاستقواء بالسلاح أو طلب الغوث والمدد من الخارج المؤذي كما حصل في الفترة السابقة، ولعل الفائدة الكبرى من الحل تكمن في مدى استقبال القوى السياسية لهذه الخطوة في مسار القضية اليمنية المتعلق بمشروع استعادة الدولة وتوحيد الصفوف اليمنية لمواجهة الانقلاب والتمرد الحوثي المدعوم إيرانياً وبيت القصيد يكمن في النضال الوطني وقطع الأذرع التي تريد أن تجعل من القضايا اليمنية مسارات وأجندات لتحقيق غاياتها المشبوهة، ليتجلى للجميع أن المشاريع ذات الخدمات الخارجية مصيرها الفناء {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ}
والله من وراء القصد.