دولة بلا قلب… وشرعية بلا ظل
في اليمن اليوم، لا تحتاج إلى ضوء كي ترى الانهيار، ولا إلى مجهر كي تكتشف أن الشرعية تحولت إلى جسم بلا روح، يتنفس بشق الأنفاس، ويتقدم خطوة واحدة إلى الخلف في كل خطوة يُفترض أن يتقدمها إلى الأمام.
كل ما كان يومًا يُسمّى “الدولة” أصبح الآن مجموعة جزر سياسية طافية، تتلاطمها أمواج الخارج، وتتنازعها يد الداخل، حتى بدا اليمن كخريطة مرسومة على ورقة مهترئة، كلما حاولتَ طيَّها تمزقت بين أصابعك.
الشرعية نفسها تحولت إلى قصة قصيرة رديئة:
عناوين كبيرة بلا محتوى،
وبيانات مطوّلة لا تحجب الحقيقة،
ورجال دولة يمضون وقتهم في المنافي لنفي ما يفعلونه… بينما يفعلونه جهارا.
وكلما ظن اليمني أنه رأى أسوأ مشاهد العبث، خرجت الشرعية لتثبت أنّ “هناك أسوأ… دائمًا هناك أسوأ”.
وهنا تبدأ المشاهد…
مشاهد تشبه فيلماً وثائقياً عن دولةٍ أعلنت استقالتها من نفسها.
المشهد الأول: وزير دفاع… يؤدي التحية لعلم آخر، ويبتسم كأن الأمر طبيعي
30 نوفمبر..
المنصة الرسمية.
الجنود مصطفون.
الأعلام مرفوعة.
والكاميرات تدور كما لو أنها تستعد لالتقاط اللحظة التاريخية التي ستخبر اليمنيين اخيرا أن دولتهم استعادت شيئا من هيبتها.
لكن كل شيء ينقلب رأسا على عقب.
وزير الدفاع اليمني — الرجل الذي يُفترض أنه آخر سدّ رمزي بين الوطن والفراغ — يقف بخشوع أمام علم غير العلم الذي أقسم على الدفاع عنه.
أداءٌ مدروس، تحية كاملة، وقامة مستقيمة كأنه يؤدي واجبه تجاه دولة أخرى اكتشف وجودها فجأة.
وبجانبه عيدروس الزبيدي عضو مجلس الرئاسة للجمهورية اليمنية، رئيس دولة الجنوب القادمة، يحتفل بصفته رئيس الدولة التي لم تأتي بعد من على منصة الدولة القائمة التي يمثلها كنائب لرئيسها.
مفارقة لاذعة اختصرت المشهد العبثي:
وزير دفاع لدولة الجمهورية اليمنية …
يرفع التحية لعلم ونشيد دولة الجنوب القادمة …
وسط تصفيق نائب رئيس مجلس الجمهورية اليمنية .
إنها اللحظة التي يُدرك فيها اليمني أن الشرعية أصبحت جسدا يلبس رأسين ويتخاصم مع كلاهما.
المشهد الثاني: حضرموت… منطقة عسكرية تغيّر جلدها كما تغيّر القبائل موسمها
في حضرموت، حيث يفترض أن العقل يتقدم على السلاح،
تبدأ الفوضى وكأن البلاد تحتاج لمشهد جديد من العبث.
المنطقة العسكرية الثانية،
ذراع الشرعية الشرقي،
تقرر فجأة أنها لا تريد أن تكون جزءا من الشرعية.
تعلن ولاءها للانتقالي.
بكل هدوء.
بكل بساطة.
وكأنها تغيّر تردد الراديو لا أكثر.
على الطرف الآخر، بن حبريش يرفع صوته:
“حضرموت للحضارمة.”
لا للانتقالي.
ولا للشرعية.
بل دولة حضرمية او حكم محلي قيد الإنشاء.
يُعلن تشكيل قوة للدفاع عن حضرموت… من الانتقالي، وفي حضرموت عضو مجلس القيادة في دولة الشرعية.
ثم يحدث المشهد الأكثر كوميديا:
المحافظ الجديد — المعين بمرسوم رئاسي وهو شخصية موال للانتقالي —
النيابة الجزائية تصدر أمر قبض قهري ضد بن حبريش…
بن حبريش الذي حشد قبائل حضرموت وسيطر على حقول النفط، وبدء مواجهة اي قوة قادمة من خارج حضرموت.
صورة عبثية كأن الدولة تطارد ظلّها،
وتعتقل صدى صوتها،
وتنكر بصمتها فوق أوراقها.
عيدروس يأكل الثوم،
والعليمي يتصبب بالعرق.
المشهد الثالث: الساحل الغربي… عرض عسكري فوق رماد الجمهورية
في المخا، يتحضر طارق صالح عضو مجلس الشرعية، أحد الخونة والمتآمرين على اسقاطها لعرض عسكري ضخم يعزز استحقاقات السيطرة على الارض.
المناسبة؟
عيد ميلاد ذكرى الرجل الذي
— أسقط الجمهورية،
— فتح أبواب صنعاء للحوثيين،
— ثم قتلوه حين انتهت مهمته.
طارق، الذي قاتل الشرعية بجانب الحوثي، ثم قاتل الحوثي بجانب الشرعية، ثم يقاتل كل شيء بلا سبب واضح،
يقود اليوم جيشا موازيا لا يسمع لصوت الشرعية،
جيشًا يأتمر بغيرها،
ويتغذى من غيرها،
ويكبر خارجها.
وفي الوقت ذاته،
قوات الشرعية نفسها في تعز ومأرب لا تستطيع استعادة مقعد بلا ظهر،
ولا راتب بلا واسطة،
ولا جريح بلا تبرع.
ومع ذلك…
طارق يَعِدُ باستعادة صنعاء.
كأنّ صنعاء تنتظره على أبواب المخا،
وتصفق له من بعيد.
المشهد الرابع: تعز ومأرب… قوات تقاتل وحدها وتموت وحدها ثم تُهان وحدها
تعز ومأرب…
مدينتان دفعتا ثمن الجمهورية دمًا وعظمًا وقلبًا.
منذ أول طلقة،
كانتا آخر جدار من الصمود.
لكن الشرعية، بحكمتها المعهودة،
قررت أن تُعاقب من دافع عنها.
رواتب تُقطع بلا سبب.
جرحى يُتركون بلا مستشفى.
قادة يستبدلون كما تستبدل بطاريات الريموت.
أفراد ينضمون لتشكيلات ممولة خارجيا لأن الريال السعودي أصبح أقرب لهم من الحكومة التي يقاتلون باسمها.
الجيش الذي حفظ للجمهورية وجهها يوم سقطت صنعاء،
يعيش اليوم على الهامش،
مثل جندي مبتور الذراع يقف في نهاية الطابور.
مدن داخل مدينة.
جيوش داخل الجيش.
ودولة تبحث عن نفسها في فواتير الصرف.
المشهد الخامس: شبوة… محافظة تتغير كما تتغير يد اللاعب في الشطرنج
في شبوة،
الشرعية تُدار بالروموت.
محافظ يُقال.
آخر يُعيّن.
قائد أمني ينتقل من منصبه إلى غيره قبل أن يعرف لماذا.
كل ذلك يُطبخ خارج الحدود…
ثم يُرسل للشرعية كي توقع عليه،
مثل موظف بريد يستلم الطرود دون أن يعرف محتواها.
شـبوة اليوم ليست محافظة،
بل اختبار ذكاء:
من يطيع الرياض؟
من يرضي أبوظبي؟
من يوافق على موازنة الشرعية؟
ومن يجلس ليلًا ليكتب تقريره للغد؟
والشرعية تكتفي بالمشاهدة.
المشهد السادس: سقطرى… جزيرة تسبح بعيدًا في يد الريح
سقطرى، تلك اللؤلؤة الفريدة،
ترفع اليوم أعلاما لا تشبه لون الجمهورية،
وتدار بقرارات لا تمر عبر العاصمة،
وتعيش واقعا لا يسمع لاسم الشرعية.
المطار والميناء يداران بقوة الأمر الواقع،
كأن الجزيرة نفسها قررت مغادرة اليمن…
دون أن تكتب رسالة وداع.
الشرعية هناك مثل ضيف نسي مفاتيحه في بيت لم يعد يعرفه أحد.
المشهد السابع: المهرة… السيادة في غرفة الانتظار
المهرة،
البوابة الشرقية لليمن،
تدار بترتيبات سعودية–عمانية–قبلية،
والشرعية تؤدي دور المتفرج الأنيق الذي يدخل الاجتماع ويخرج منه دون أن يعرف عن ماذا جرى الحديث.
الحدود بلا قرار.
الميناء بلا سلطة.
والمحافظ بلا قوة.
السيادة هنا ملف مؤجل…
مؤجل حتى إشعار آخر قد لا يأتي.
المشهد السابع : مجلس القيادة… ثمانية رجال ودولة واحدة تتنفس بصعوبة
المجلس الرئاسي…
أطرف مشاهد الدولة وأكثرها وجعًا.
ثمانية رجال،
ثمانية مشاريع،
ثمانية جيوش،
ثمانية أعلام،
ثمانية ولاءات.
يجلسون حول طاولة واحدة لالتقاط صورة “استعادة صنعاء”،
ثم يعود كل واحد منهم إلى منطقته،
وقوته،
وتمويله،
وخريطته الخاصة.
يشبه المشهد اجتماعا لعائلة متخاصمة…
كلّ منهم يريد البيت بلا أهله.
المجلس لا يدير الدولة…
بل يدير الفوضى.
وينظم سقوطها كي يبدو مرتبا.
الخاتمة: دولة تتفكك… وشرعية تبحث عن صاحب
ما سبق ليس سردا عشوائيا،
بل يوميات دولة تنقرض ببطء.
شرعية عاجزة عن:
– توحيد قرار
– ضبط ولاء
– حماية محافظة
– إدارة منطقة
– بناء جيش
– أو حتى الدفاع عن نفسها في اجتماع رسمي
وفيما الشرعية تنشغل بنفسها،
يجلس الحوثي فوق جباله،
يشرب الشاي،
ويبتسم بهدوء…
لأنه يعرف أن خصومه يؤدون عنه المهمة دون أن يطلب منهم ذلك.
لم يعد الأمر يتعلق بسقوط الشرعية…
بل بسقوط فكرة الدولة اليمنية نفسها.
دولة تبحث عن حامل لرايتها،
لكن الجميع مشغول برفع علمه الخاص.
المشهد الثامن : الشعب… والمخرج الذي لا يظهر في الكاميرا
وبينما يتصارع القادة على المنصات،
ويتبدّل الولاء كما يتبدّل لون الضوء على خشبة المسرح،
يبقى هناك شخص واحد لا دور له… لكنه يتحمل كل الأدوار:
الشعب.
الشعب اليمني هو ذلك الكومبارس الذي يُطلب منه أن يصفّق رغم أنه لا يعرف المسرحية،
وأن يبكي رغم أنه لم يمسك نصّ البكاء،
وأن يحفظ الأدوار كلها رغم أن أحدًا لم يرشده إلى مكانه على الخشبة.
يجلس الشعب في مقاعد الفرجة — مقاعد خالية من الراحة،
يتابع العرض الطويل الذي لا ينتهي:
وزير يحيّي علمًا لا يعرفه،
قائد يغير ولاءه كل ثلاث جُمل،
محافظ يأتي قبل أن يعرف لماذا جاء،
وقوات تتقاتل كي تتذكر لأي جهة تنتمي.
ومع كل مشهد،
يلتفت الشعب إلى الكاميرا…
يسألها بصمت:
“من هو المخرج؟”
لكن الكاميرا صمّاء.
تنظر إليه ببرود.
تلتقط وجعه ثم تهز رأسها… كأنها تقول: “لا أعرف”.
المخرج غير موجود في الكادر.
ربما خلف الستار.
ربما خارج المسرح.
وربما لا وجود له أصلًا…
وربما كل ما يحدث مجرد ارتجال عبثي لمجموعة ممثلين نسوا أنهم في مسرح،
ونسوا الشعب في مقاعد الانتظار،
ونسوا أن العرض يُبنى عليهم لا عليهم فقط.
الشعب لا يصرخ.
الشعب لا يثور.
الشعب لا ينهار.
الشعب يكتفي بضحكة صغيرة…
ضحكة تشبه ابتسامة رجلٍ يعرف جيدًا أن المخرج الوحيد لهذا الخراب هو الجوع، وانقطاع الكهرباء، وغلاء الدواء، وصوت الرصاصة.
الشعب يعرف أن العرض لن يتوقف.
وأن الممثلين لن يغادروا الخشبة.
وأن الدولة لن تعود من الباب الخلفي مثل ممثل تأخر على موعد ظهوره.
الشعب يجلس هناك…
يحمل تذاكر لم يُصدرها أحد،
يصفّق حين يُطلب منه،
ويصمت حين يصمت المخرج،
ويستمر في مشاهدة العرض…
لأن الخروج من القاعة يعني الوقوف في ساحة بلا بيت…
وبلا دولة…
وبلا جدار يكتب عليه كلمة “وطن”.
الشعب في هذا العرض ليس بطلًا…
لكنه آخر ناج من مشهد لا يعرف نهايته أحد.
المشهد التاسع : المخرج… الرجل الذي يدير الخراب ثم يختفي
في كل مسرحية هناك مخرج.
رجل يقف خلف الستار،
يهمس للممثلين،
يوزّع الأدوار،
يضبط الإضاءة،
ويقرر متى يبدأ التصفيق ومتى تنطفئ الأنوار.
لكن في اليمن…
المخرج لا يقف خلف الستار.
ولا يجلس في غرفة التحكم.
ولا يظهر اسمه على لوحة العرض.
المخرج في اليمن شبح،
يدير الدولة كما يدير طفل صغير قطارا خشبيا،
يدفعه بيده،
ثم يضحك حين يصطدم بالجدار.
المخرج يعرف كل الممثلين:
يعرف من يرفع علمين،
ومن يبدّل ولاءه في منتصف الجملة،
ومن يقود جيشا بلا دولة،
ومن يرفع شعار الجمهورية ثم يعمل ضدها،
ومن يكتب البيانات باسم الشرعية بينما قلبه عند غيرها.
لكن المخرج نفسه…
لا يظهر في أي مشهد.
لا يتسخ حذاؤه بتراب البلاد.
لا يسمع ضجيج الشوارع.
لا يرى جروح الجبهات.
ولا يهمه إن تغيّرت الخريطة أو سقطت فوق رؤوس أبنائها.
المخرج يوزع الفوضى على الأطراف كما يوزع الحلوى على الأطفال:
يعطي حضرموت جرعة انفصال،
ويعطي شبوة جرعة تبديل،
ويمنح سقطرى قفزة خارج السيادة،
ويضع على الطاولة أمام الساحل الغربي جيشًا لا علاقة له بالجيش.
ثم يبتسم…
ابتسامة رجل يعرف أن المسرح لن ينتهي ما دام الجمهور منهكا ،
والممثلون لا يحفظون نصوصهم،
والدولة مجرد “ديكور” من ورقٍ مقوّى يستطيع تغييره متى شاء.
المخرج في اليمن لا يكتب السيناريو…
هو السيناريو.
يستيقظ ذات صباح فيقرر:
– من يتحدث؟
– من يصمت؟
– من ينجو؟
– من يُستبدل؟
– وأي علم يجب أن يُرفع اليوم؟
يتحكم بالمشهد كما تتحكم الرياح في أوراق متساقطة من شجرة ميتة.
يتركها تتطاير…
ثم يضحك حين تلتصق بجدار لا يعترف بها.
وعندما يسأله أحد:
“من أنت؟”
يضع إصبعه على شفتيه ويقول:
“أنا مجرد ظل… امضوا في الخلاف، فالعرض يجب أن يستمر.”
المخرج يعرف أن الممثلين يتبدلون،
والأدوار تتغير،
والشرعية تتفتت،
والجمهورية تُهزم،
والجمهور يتعب،
لكن المخرج نفسه…
لا يتعب.
لا يشيخ.
لا يتقاعد.
لأنه ليس شخصا واحدا .
المخرج هو:
– دولة خارج الحدود
– وجهاز يتدخل من بعيد
– وسياسة تدار بالرسائل
– وتمويل يكتب المشهد
– وحسابات لا تقال على الملأ
– ومصالح أقوى من كل الشعارات
المخرج الحقيقي لا يحتاج أن يظهر…
فالمسرح كله يعمل لأجله.
وحين تنتهي الفوضى من استهلاك نفسها،
سيخرج المخرج مرة واحدة…
فقط ليعلن المشهد الأخير:
“هذه ليست دولتكم… هذه كانت تجربتي الإخراجية.”
ثم يطفئ الأنوار،
ويترك الشعب في العتمة…
يبحث عن باب الخروج من مسرح لم يدخله باختياره.
الخاتمة: ستار يسدل على دولة تبحث عن اسمها
وفي النهاية… لا يبقى على الخشبة سوى الغبار.
الممثلون يغادرون واحدا تلو الآخر،
يخلعون ملابسهم العسكرية،
يرمون أعلامهم في الزوايا،
ويبحث كل منهم عن باب نجاةٍ لا يؤدي إلا إلى ممر آخر.
الدولة تقف في منتصف المسرح،
تبحث عن كرسي تجلس عليه،
ولا تجد شيئا سوى أطلال سلطة كانت يوما سلطة،
وشرعية كانت يوما بوابة،
وأعلام كانت يوما رمزا .
الشعب وحده يبقى في القاعة.
لا يصفّق.
لا يصرخ.
ولا يغادر.
يجلس بصمت طويل،
كأنه ينتظر مشهدا لم يكتبه أحد،
أو بطلا لا يصل،
أو مخرجا يعترف بأن العرض كان مزحة. ثقيلة.
الحقيقة أن اليمن لم يسقط في مشهد واحد،
بل سقط مشهدا وراء مشهد،
حتى لم يعد هناك شيء يلتقط بالكاميرا سوى الفراغ.
فراغ يتكلم،
وشرعية بلا سيادة،
ودولة بلا قلب،
ومجلس بلا مشروع،
وشعبٌ يعرف أن النهاية لم تكتب بعد…
لأن النهاية تحتاج دولة،
ومخرجا يعترف،
وممثلين يتذكرون النص الأصلي.
أما الآن،
فالستار ينزل على خشبة بلا دولة،
ويُترك اليمن في منتصف المسرحية،
ينتظر من يعيده إلى دوره الأول:
دور الوطن،
لا دور الديكور.
هذه ليست خاتمة…
هذه وقفة.
استراحة قصيرة في قلب فوضى طويلة،
دولة تستحق نهاية أخرى…
لكنها ما زالت تبحث عن من يكتبها.